الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
90
مختصر الامثل
وإلى الاختلاف ، والتشرذم ، والتفرق ، وتزرع فيكم بذور الفرقة والنفاق . ثم يختم جميع هذه الأقسام وللمرة الثالثة - لغرض التأكيد - بقوله : « ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . بحثان 1 - أهمية الإحسان إلى الوالدين : إنّ ذكر مسألة الإحسان للوالدين - بعد مكافحة الشرك مباشرة ، وقبل ذكر تعاليم مهمة مثل حرمة قتل النفس والأمر بالعدل - يدل على الأهمية القصوى التي يحظى بها حق الوالدين في التعاليم الإسلامية . ويتّضح هذا الأمر أكثر عندما نرى أنّ القرآن الكريم ذكر بدل تحريم أذى الوالدين الذي يلائم سياق هذه الآية في استعراضها للمحرمات ، مسألة الإحسان إليهما ، يعني أنّه ليس إزعاج الوالدين وإيذاؤهما محرّماً فقط ، بل يجب الإحسان إليهما . والأجمل من هذا كله أنّ كلمة « الإحسان » عُدّيت بحرف « الباء » فقال : « وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا » . وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية تؤكد أنّ موضوع الإحسان إلى الوالدين من الأهمية البالغة بحيث يجب على الإنسان أن يباشر الاحسان بنفسه إلى الوالدين . 2 - قتل الأولاد من الإملاق والجوع : يستفاد من هذه الآيات أنّ العرب في العهد الجاهلي لم يقتصروا على قتل البنات ووأدهن بسبب بعض العصبيات الخاطئة فحسب ، بل كانوا يقتلون أولادهم الذين كانوا يُعدّون ثروة كبرى في المجتمع يومذاك ، وذلك بسبب الفقر وخشيتهم من الفاقة . ولكن هذا العمل الجاهلي - وللأسف البالغ - يتكرّر الآن في عصرنا في صورة أخرى ، إذ نلاحظ كيف يعمد الناس إلى قتل الأطفال الأبرياء وهم أجنّة عن طريق الكورتاج والإجهاض بحجة النقصان الاحتمالي في المواد الغذائية . إنّ إسقاط الجنين وإن كان يُبرّر الآن بأدلة وحجج أخرى أيضاً ، إلّاأنّ مسألة الفقر ومسألة نقصان المواد الغذائية ، هي من أدلتها الأصلية . هذه المسألة والمسائل المشابهة الأخرى تشير إلى أنّ العهد الجاهلي يتكرر في شكل آخر ، وأنّ « جاهلية القرن العشرين » أكثر وحشية من جاهلية ما قبل الإسلام .